الجاحظ

279

العثمانية

دون الدلالة ووضع العلامة ، كان ذلك خيرة ، لأنا نعلم أن الله لا يصنع إلا ما هو خير . فلو لم يفعل ذلك ( 1 ) ولم ينص عليه فتركه الامر على ما نحن عليه خير لنا وأفضل . فكيف أوجبتم على الله وحكمتم عليه . هذا جمل جوابات العثمانية بجمل مسائل الرافضة والزيدية . ولولا أن فيما قدمنا غنى عما أخرنا لقد فسرنا كما أجملنا . وإنما ملاك وضع الكتاب إحكام أصله ، وألا يشذ عنه شئ من أركانه ، فأما استقصاؤه حتى لا يجرى بين الخصمين منه إلا شئ قد وضع بعينه ، فهذا مالا يمكن الواضع ولا يحتمل الكتاب . ولو أمكن الواضع واحتمله الكتاب لكان طوله قاطعا لنشاط القارئ ، ومجلبة لنعاس المستمع ، إلا لمن صحت إرادته ، وأفرطت شهوته وقوى طبعه ، وحسن احتسابه . وقد أعيتنا هذه الصفة في المعلمين . فكيف [ في ] المتعلمين . وعلى أن للنحل صورا كصور الناس ، فكما أن بعض الصور أشد مشاكلة لطبعك ، وآنق في عينك ، وأخف على نفسك ، فكذلك النحل في مقابلة الأهواء ، ومشاكلة الشهوات ، والخفة على النفوس . فاحذر حوادث الشهوات ، واتصال المشاكلة ، فإنه أخفى من الدقيق ، وأدق من الخفي . هذا إذا كان المعنى مجردا والمذهب عاريا ، فكيف إذا موهه صاحبه ، وزخرفه واضعه ، بأعذب الألفاظ وأشهاها ، وأحسن المخارج وأعفاها ( 2 )

--> ( 1 ) في الأصل : " قالوا فلم لم " . ( 2 ) كذا في الأصل .